ابن كثير

377

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال : كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة ، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا ، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء ، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب ، فنام ولم يشبع من الطعام ، ولم يستيقظ حتى صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العشاء ، فقام فأكل وشرب ، فلما أصبح أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بذلك ، فأنزل اللّه عند ذلك أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ يعني بالرفث مجامعة النساء هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يعني جامعوهن وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني الولد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فكان ذلك عفوا من اللّه ورحمة . وقال هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : قام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقال : يا رسول اللّه ، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله ، فقالت : إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها ، فنزل في عمر أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به . وقال أبو جعفر بن جرير « 1 » : حدثني المثنى ، حدثنا سويد ، أخبرنا ابن المبارك ، عن أبي لهيعة ، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة ، أنه سمع عبد اللّه بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد ، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة وقد سمر عنده ، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت : إني قد نمت ، فقال : ما نمت ، ثم وقع بها ، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك ، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره فأنزل اللّه : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الآية ، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع ، وفي صرمة بن قيس ، فأباح الجماع والطعام الشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا . وقوله : وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قال أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم : يعني الولد : وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني الجماع ، وقال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قال : ليلة القدر ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير « 2 » . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، قال : قال قتادة : ابتغوا الرخصة التي

--> ( 1 ) تفسير الطبري 2 / 171 . ( 2 ) تفسير الطبري 2 / 176 .